السيد كمال الحيدري

78

شرح كتاب المنطق

لمخدوم واحد لا يشاركه فيه غيره فيخدمه فيما يريد منه ، من غير تنازع يؤدّي إلى الحيرة . فالمشرك هو الرجل الذي فيه شركاء متشاكسون ، والموحّد هو الرجل الذي هو سَلَمٌ لرجل ، لا يستويان ، بل الذي هو سلَمٌ لرجل أحسن حالًا من صاحبه . وهذا مثل ساذج ممكن الفهم لعامّة الناس ولكنه عند المذاقة يرجع إلى قوله تعالى : لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا « 1 » وعاد برهاناً على نفي تعدّد الأرباب والآلهة « 2 » . وهكذا ضرب مثلًا في الجنّة . . إلى غير ذلك من البراهين والاستدلالات التي منشؤها الأمثال لتقريب المطالب إلى أذهان العموم ، كما ذكرنا . وفي الخطابة كذلك ، فلا يمكن مخاطبة الجمهور بالاستدلالات العقلية أو الأقيسة البرهانية ، ولا مخاطبتهم بالمفاهيم الفلسفية الصرفة مثل أصالة الوجود أو أصالة الماهية ، فإنّ مثل هذا لا يفيد عامّة الناس وإنّما ينفع في المجالات الخاصّة . ولذا قال : [ والجمهور لا يخضع للبرهان ولا يقنع به ] لا لأنّ البرهان لا يحتوي على قوّة إقناعية تحمل من يُلقى إليه البرهان على الأذهان والتصديق ، بل لأنّه لا يستوعب ما يقوله صاحب البرهان [ كما لا يخضع للطرق الجدلية ، لأنّ الجمهور تتحكّم به العاطفة أكثر من التعقّل والتبصّر ، بل ليس له الصبر على التأمّل والتفكير ومحاكمة الأدلّة والبراهين ، وإنّما هو سطحيُّ التفكير فاقدٌ للتمييز الدقيق ، تؤثّر فيه المغريات وتبهره العبارات البرّاقة وتقنعه الظواهر الخلّابة . ولعدم صبره على التمييز الدقيق ، نجده إذا عُرِضتْ عليه فكرة ، لا يتمكّن من التفكيك بين صحيحها وسقيمها ،

--> ( 1 ) ا لأنبياء : 22 ( 2 ) الميزان في تفسير القرآن ، تأليف العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي ، مؤسسة اسماعيليان : ج 17 ص 258 - 259 . .